الخميس، 10 ديسمبر 2015

تحليل لرائعة محمد القصبجي ( رق الحبيب )



بغض النظر عن الظروف التى أدت لظهور هذا المنولوج يكفى أن نقول أنها أخر تعاون بين أم كلثوم والقصبجى ولقد وضع فيها القصبجى عصارة فكره الموسيقى .. وقدم لنا تحفة لحنية متميزة الأغنية من مقام النهاوند ..
يبدأ القصبجى المقدمة الموسيقية بمقطع صغير مع إيقاع الواحدة ثم أدليب حر قصير أيضاً .. ثم مقطع يشبه إيقاع السامبا .. ولكنه خماسى الميزان  ثم عودة للأدليب من جديد .. تمهيداً لتتسلم أم كلثوم و تغنى المقدمة الموسيقية فيها كلام كتير .. فمثلاً .. نجد القصبجى لجأ إلى إستعمال طريقة الكروماتيك ( السلم الملون ) فى الأدليب .. كما أن إختياره للميزان الخماسى  يعتبر تجديداً غير مسبوق برغم قصر المقدمة  تغنى أم كلثوم رق الحبيب وواعدنى .. أنظروا لكلمة
( الحبيــــــــــــــــــــــــــب ) طويلة .. ليه ؟ للتعبير عن طول الإنتظار .. إنتظار عطف الحبيب ورضاه إرتكزت الكلمة اللحنية على درجة واحدة هى درجة
( الصول ) ثم ( وواعدنى ) .. إسمعوا التريللات فى صوتها .. إهتزاز الصوت فرحة اللقاء المرتقب  تجدوا هذا الإهتزاز أيضاً فى جملة ( غايب عنى ) وبالتحديد فى كلمة ( عنى )  هنا يلمس نغمة المى ( بيكار ) بدلاً من ( المى بيمول ) وترد الفرقة بداية من ( المى بيمول )سلم ملون أيضاً هنا لابد لنا من وقفة  لنتسائل ..
هل قصد القصبجى شيئاً من هذه التحويلة ؟ .. من الجائز أن يكون قصد شيئاً .. تعبير مثلاً عن معنى الكلمات أو مجرد تنويع لحنى أياً كان مقصده .. فالجملة شكلها حلو خاصة أننا فى مقام النهاوند .. مقام غربى وليس به ثلاثة أرباع التون  ويمكن للملحن أن يصول ويجول داخل المقام وخارجه .. لأنه فى جميع الحالات لن ينتج نشاز المهم أن يستقر فى النهاية على درجة ركوز المقام ..
نعود للغناء مرة أخرى سنلاحظ طول كلمة ( يوم )نفس ماحدث مع كلمة
( الحبيب ) .. لكن المقصد هنا مختلف بعض الشئ اليوم المقصود ليس غداً بالتأكيد ولكنه يوم غير محدد ممكن بعد إسبوع أو شهرلذا كان لزاماً على الملحن أن يعطينا إنطباعاً بإنتظار هذا اليوم أيضاً نفس الدرجة النغمية ( الصول ) ليتيح لنفسه التقدم أو العودة عبر نفس المقام ..
يدخل الإيقاع مع ( صُعُب عليا أنام )إيقاع الواحدة الكبيرة ويتغير المقام إلى
( البياتى ) المقام الشرقى الأصيل وتبدع أم كلثوم فى هذا المقام إسمعوا الإعادات إعادات كلثومية لا تتكرر .. وتستمر أم كلثوم مع البياتى حتى تعود للنهاوند مع
( وأشوف خياله قاعد جنبى ) الأخيرة ..
شوفوا الإبداع شوفوا تلحين المقطع بأكثر من لحن شوفوا التقطيع هو مقام واحد لم  يخرج عنه ( البياتى ) ولكن يمكنكم إحصاء أكثر من عشرة جمل لحنية مختلفة .. خدوا بالكم كمان من كلمة ( جنبى ) الأخيرة ( مى ، رى ، دو )  ثلاثة حروف متجاورة هبوطاً إحساس بالراحة تصوير موفق جداً لمعنى الكلمة ..
الراحة = درجة ركوز المقام ..
لازمة قصيرة بنفس لحن الكوبليه من النهاوند مع إيقاع المقسوم ويلعب عازف الرق ويغير أضلاع الموازير ولا يترك مازورة إيقاعية فى حالها ..
وتدخل أم كلثوم ( من كُتر شوقى سبقت عمرى ) لن أتحدث عن صيغة المبالغة فى الشعر .. فهناك من هم أقدر منى على ذلك ونصل للبياتى عند ( وإيه يفيد الزمن ) مع زيارة لمقام الراست عند كلمة ( الخيال ) 
ونصل هنا إلى تحويلة جميلة جداً .. حيث يعمد الملحن لإستعمال مقام الراست من الدرجة الرابعة للنهاوند ( راست الفا ) أو كما يسميه عُشاق الموسيقى العربية
( راست الجركا ) أو ( راست الجهاركا ) ..
ونعرف السبب فى إختيار الملحن للراست من هذه الطبقة لكى يعطى فرصة لأم كلثوم عند أداء الأهات  وأم كلثوم هنا لا تحتاج لتوصية فى تلوين وتنويع الأهات .. واخده الراست رايحه وجاية  مش سايبه أى حرف ..
ثم تقسيمة صغيرة من العود للعودة لمقام الراست الرئيسى ( راست الدو ) 
وتغنى أم كلثوم من نفس المقام  ( طلع عليا النهار سهران فى نور الأمل ) حتى تصل إلى ( وفضلت أفكر فى معادى ) فنجد أنفسنا بقدرة قادر فى نهاوند جديد من درجة
( الصول ) ..
ملحوظة : النهاوند الأصلى من درجة ( الدو ) ويبدو أن القصبجى يتلاعب بالمقامات  لغرض فى نفسه ليس هنا مجال الحديث عن هذا الغرض 
ويبدو أيضاً أن هذه الدرجة الجديدة ( الصول ) أعجبت القصبجى ففضل البقاء فيها بعض الوقت  ليصول ويجول بين الراست والنهاوند من نفس الدرجة ..
حتى نصل إلى ( هجرت كل خليل ليا وفضلت عايش مع روحى ) من مقام الحجاز
( حجاز الصول ) أو كما نسميها فى الموسيقى العربية ( حجاز النوا ) 
ويستمر فى حجاز النوا ..
ويظن بعض المحللين أن لجوء الملحن للحجاز من هذه الدرجة الغرض منه العودة بسلامة إلى النهاوند أو الراست الأصلى ( من درجة الدو ) أى إعتبار الحجاز
( كوبرى ) وعبوره إلى المقام الأصلى 
ولكن يظهر إن القصبجى لم ينتهى بعد من التحويلات الجديدة 
فنجد لازمة قصيرة من ألآت التشيللو تمهيداً للوصول بنا إلى مقام جديد هو مقام
( الكرد ) من درجة ( الدو ) أى نفس درجة النهاوند الأصلى والموسيقيين يعرفون تماماً أن كل هذه التحويلات غير طبيعية  ولكن القصبجى أمتعنا بهذ التحويلات وأم كلثوم كانت تتنقل بين كل هذه التحويلات بسلاسة ونعومة ومقدرة غنائية فذة 
تغنى أم كلثوم من نفس المقام ( كرد الدو ) ( ولما قرب معاد حبيبى ورحت أقابله ) ونلاحظ هنا أيضاً أن القصبجى لحن هذا المقطع مرتين بلحنين مختلفين مرة بدون إيقاع ( حر ) ومرة أخرى مع دخول الإيقاع 
ويذهب للبياتى عند ( هنيت فؤادى على نصيبى ) ويعود للكرد سريعاً 
يظهر إننا مش حانخلص من هواية القصبجى فى تلحين المقطع الواحد بلحنين مختلفين  فنجد مقطع ( ولقيتنى طايل من الدنيا كل إللى أهواه )  بجملة لحنية من مقام ( كرد الدو ) ونسمعه بلحن مختلف من مقام ( بياتى الصول ) وكم هى طريقة متعبة جداً للملحن وللمطرب على السواء تغيير اللحن لنفس الجملة  مع تغيير فى المقام المستخدم وخاصة أن كرد الدو بعيد تماماً عن بياتى الصول
غير متجاورين إطلاقاً ولابد من وجود إحدى وسائل التحويل للوصول من أحدهم للأخر مثل الكوبرى أو الكروماتيك أو طريقة الركوز وهذه كلها طرق يعرفها الملحنون ولكن عبقرية القصبجى تجلت فى الإنتقال بين المقامين بدون أى من وسائل التحويل  إنتقال مباشر ولم نشعر بأى مشكلة ..
ويلمس مقام الشورى عند ( بس إللى كان فاضل ليا ) مجرد لمس ( الشورى هو عبارة عن جنسين هما البياتى والحجاز ) ويسمى أيضاً ( قار جغار ) 
ثم مقطع صغير من الفرقة الموسيقية من مقام العجم ( الميجور ) وتغنى أم كلثوم
( لما خطر ده على فكرى ) من مقام العجم وكالعادة .. تغنى نفس المقطع بلحن مختلف ومقام مختلف  ومقامنا الجديد هنا هو ( النكريز ) 
والنكريز ياسادة من فصيلة مقام ( النوا أثر ) ودرجة ركوزه ( دو ) وله درجة قرابة كبيرة بالنهاوند 
وينهى القصبجى رائعته نهاية غير متوقعة إطلاقاً فنجده أنهاها بمقام البياتى وليس النهاوند الذى بدأ منه ونجد البياتى فى ( من غير ماشوف حُسن حبيبى ) 
أغنية كلها تحويلات وصدمات غير متوقعة حتى النهاية ..

__________________
مع تحياتى .. محمد الألآتى .. أبو حسام .


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق